أحمد زكي صفوت

40

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

دم سفك على هذه السّنّة التي تزعمون ؟ قالوا : فعل ذلك عبد الملك بن مروان ، أو أمير من بعض أولئك الأمراء ، وإنما يأخذ بالرأي ، فيبلغ به الاعتزام على رأيه ، أن يقول في الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولا لا يوافقه عليه أحد من المسلمين ، ثم لا يستوحش لانفراده بذلك ، وإمضائه الحكم عليه ، وهو مقرّ أنه رأى منه ، لا يحتجّ بكتاب ولا سنة . فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسّنن المختلفة فترفع إليه في كتاب ؛ ويرفع معها ما يحتجّ به كل قوم من سنّة ، أو قياس ، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك ، وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه اللّه ، ويعزم له عليه ، وينهى عن القضاء بخلافه ، وكتب بذلك كتابا جامعا عزما ، لرجونا أن يجعل اللّه هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ ، حكما واحدا صوابا ، ورجونا أن يكون اجتماع السّير قربة لإجماع الأمر براي أمير المؤمنين وعلى لسانه ، ثم يكون ذلك من إمام آخر آخر الدهر إن شاء اللّه . فأمّا اختلاف الأحكام ، فإمّا شئ مأثور عن السّلف غير مجمع عليه ، يدبّره قوم على وجه ، ويدبّره آخرون على وجه آخر ، فينظر فيه إلى أحقّ الفريقين بالتصديق ، وأشبه الأمرين بالعدل . وإما رأى أجراه أهله على القياس ، فاختلف وانتشر بغلط في أصل المقايسة ، وابتداء أمر على غير مثاله ، وإما لطول ملازمته القياس ، فإن من أراد أن يلزم القياس ، ولا يفارقه أبدا في أمر الدين والحكم ، وقع في الورطات ومضى على الشّبهات ، وغمّض على القبيح الذي يعرفه ويبصره ، فأبى أن يتركه كراهة ترك القياس ، وإنما القياس دليل يستدلّ به على المحاسن ، فإذا كان ما يقود إليه حسنا معروفا أخذ به ، وإذا قاد إلى القبيح المستنكر ترك ، لأن المبتغى ليس عين « 1 » القياس يبغى ، ولكن محاسن الأمور ومعروفها وما ألحق الحقّ بأهله ،

--> ( 1 ) في الأصل « ليس غير القياس » ، وهو تحريف لأنه ضد المعنى المقصود .